صحيفة الاثر الالكترونية

لنعمل معا من اجل مجتمع متمدن متحضر تسوده المساواة التامة بين المراة والرجل
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حرية الثقافة ، بعيداً عن الرؤوس المدببة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 111
تاريخ التسجيل : 05/05/2010

مُساهمةموضوع: حرية الثقافة ، بعيداً عن الرؤوس المدببة   الخميس أغسطس 26, 2010 11:55 am

حرية الثقافة ، بعيداً عن الرؤوس المدببة



د. محمد رضا مبارك



كانت غرة الصباح تعلوها مسحة من التفاؤل، في ذلك الجو الخريفي من العام 1979، في البرودة شئ من الانتشاء بعد ان انقضت اشهر الصيف ، وصيف العراق، لصيق بالذاكرة، لطوله وكثرة مايثيره من شكوى،، وكان مدخل الاذاعة والتلفزيون في الصالحية، جاهزا ككل يوم لاستقبال الموظفين، الفنانيين، المذيعين، ثم الكتبة تعج بهم ساحات الاذاعة... انها بقايا السبعينات من القرن الماضي ونهاياتها... وبكل مافيها من نزوع نحو الجديد والمتطلع والمتحفز ، ومافيها ايضا من ارتداد ونكوص لاحت علاماته في نهاياتها المأساوية ، أو في السنة الاخيرة منها تحديدا..



كنت رئيسا للقسم الثقافي في تلفزيون الجمهورية العراقية، مؤمنا بأهمية التغيير، والاعلام واحد من ادوات التغيير واساليبه، وكان التلفزيون، هو الاداة الاكثر نصاعة، انه المرآه العاكسة، التي ترى فيها الوجوه جميعا حتى في قسماتها الدقيقة التي لاترى بالعين المجردة، انه مرآة حقا لان من يقفون وراءه، يصنعون الاحداث، واحيانا يختلقونها... ولم يكن للناس الا التعلق، بهذه الزجاجة العاكسة، التي اصبحت بمرور الايام، وكأنها عضو من اعضائهم، ولطالما آمن الناس بكل مايقال عبر التلفزيون، تقودهم الى ذلك سذاجة طاغية، وشبه انعدام في الوعي، ثم ثقافة متراجعة، لم يتبق منها، سوى كتيبات المدارس واناشيد الحماسة الوطنية.. غاب تماما بعد هذه السنين، التطلع نحو القراءات الكبرى، فالتلفزيون سد الطرق،

وملأ أوقات الناس، وبدت ملامح الانهيار في الوعي والعقل والتفكير .



كانت اناشيد الأخ الاكبر تملأ الآذان وتعاد بتكرار ممل طوال الوقت.. تتشبع بها الذاكرة كما تشبعت من قبل بحرارة الصيف، وتكرار ايامة اللاسعة، اضحى التلفزيون حدا فاصلا، بين ثقافة قديمة انقضت وثقافة جديدة يراد لها ان تبدأ.. وكان العراق لمايزل نديا .. وبغداد في عمق نهارها وليلها الجميل الذي يقول عنه الروائي الراحل (غالب هلسا)، انه اجمل ليل رأيته في حياتي يقارن به ليالي البلاد العربية.. وبين حد الانهيار، وحد البناء، مسافة قد تقصر وقد تطول .

على هذا النحو، قدمنا فلما مسائيا في برنامج السينما والناس ليلة الاحد 3/11/1979،، وكانت حلقة مثيرة، والفلم فيها فلم كارتون، ولكن هذه المرة للكبار وليس للصغار، بعنوان ((الرأس المدبب))، وكان يخشى من تقديم الفلم، كي لايساء تفسيره وتحدث الكارثة، وربما الفجيعة وشررها المتطاير، كانت الاجواء مسممة بالخوف، والنهارات ساطعة ولكن بين خيوط الشمس، الوان باهته سوداء، او رمادية، انها الشمس، بعيون من ينتظر المجهول، رأيت الفلم مرات قبل عرضه، وفي اخر مرة قبل العرض، كان يرافقني في المشاهدة الشاعر الراحل (كمال سبتي) الذي كان يعمل في الاذاعة، وتحمسنا للفلم معا،، وكان (كمال) بصوته الجهوري، وحماسته المعتادة لكل جديد، ومخالف للمعتاد، يهلل مصفقا ومرحبا، والفلم حقا يزلزل القناعات السائدة، انه يقدم بديلا ممكنا، لكثير من القضايا. ولكن باسلوب سهل ومفهوم وجميل وخفى أيضا.. حتى أثار التساؤل كيف يمكن لفلم من افلام الكارتون ان يحمل كل هذه الافكار المدهشة، وايقنا ونحن في سن مبكرة، ان افلام الكارتون يمكن ان تؤدي دورا، لاتؤديه الافلام المعتادة.. انقضت ايام قبل أن ابلغ الصديق العزيز الراحل ((سامي محمد)) معد البرنامج، بان يقدم خلاصة للفلم ومقدمة، تقرأها (لمى سعيد) المذيعة الجميلة الراحلة ، و كانت قد تسلمت البرنامج بعد ان غادرت المذيعة ((اعتقال الطائي)) العراق، واستقرت في اوربا الشرقية. قرأت ماكتبه سامي محمد، ثم بدأ الفلم، بموسيقى هادئة واغنية تترصد الاذان، فلا تملك الا الاصغاء والانتظار حتى تنتهي نغماتها.. كانت الالوان ساطعة، والاشكال الكرتونية، تدب على الشاشة، كانها الملائكة أو الشياطين، الطالعة من عمق المجهول،، ويظهر ( أورو) يدب على الارض مع كلبه الصغير انه بطل القصة.. ثم يظهر تباعا الكونت حاكم المدينة ونماذج من الشعب وهم جميعا ذوو رؤوس مدببة. ثم تظهر شخصيات الغابة، الانسان ذو الرؤوس الثلاثة، والانسان الصخري، وتبدأ القصة..



جميع مافي القصة المصورة رمزي، طفل يولد في مدينة ، افرادها وبناياتها وكل مافيها مدبب، المهم ان الناس جميعا ذوو رؤوس مدببة.. يولد (اورو) برأس صحيح غير مدبب، وقانون المدينة. لايسمح بذلك فالذي يولد برأس غير مدبب، مصيره النفي وفق القانون، يقرر حاكم المدينة نفي (أورو) الى الغابة، لكن والديه يتدخلان ويتوسلان لدى الحاكم، فيوافق على ابقائه في المدينة بشرط ان يضع على رأسه (غطاء مدببا) لينسجم مع أهل المدينة، وتمضي الايام، واورو برأس مدبب، ولكنه مزيف،.. وفي مباراة رياضية مع ابن حاكم المدينة يسقط في اثناء اللعب الغطاء من رأس أورو، وينكشف امره، حين ذلك، يقرر الحاكم نفيه الى الغابة، ينفى مع كلبه الصغير .



في الغابة يلتقي بالانسان الحجري والانسان ذي الرؤوس الثلاثة، يسألونه عن سبب نفيه من مدينته، يحدثهم بالقصة ويسألهم بدوره هل يوجد قانون مماثل لديكم في الغابة ؟ يجيبون : لا يوجد مثل هذا القانون الغريب في غابتنا ، يوجد ربما في مدينتكم فقط . تصبح العلاقة وثيقة بينه وبين اصدقائه الجدد، لكنه بعد مضي وقت على نفيه يقرر الرجوع الى مدينته، ويسأله اصدقاؤه كيف تعود والقانون يمنعك من العودة، يقول لقد اشتقت الى عائلتي واصدقائي وسوف اعود على أية حال.. ويعود فعلا، وهنا تحدث المفاجأة الكبرى، الناس في المدينة يخرجون جميعا لاستقباله بالورود والزهور واللافتات ثم بالشوق، عندها لايستطيع الحاكم فعل شئ، بعدما خرج الشعب لاستقباله.. وهنا ينتهي الفلم، بأغانٍ شجيه. أهم مافيها الايحاء بجمال الحرية، وجمال الانسان وان الاختلاف سنة فطر عليها البشر ، ولا يمكن ان تجبر الناس على الايمان بفكرة واحدة، أو برأي واحد .

بعد عرض الفلم، استطلعت أراء الناس. بعضهم فهم المغزى، وهو ضد تعميم الشخصية او تعميم الفكرة،، ولاتلجأ الى التعميم الا الشمولية الفكرية والسياسية.. وكان الفليسوف الالماني (كارل ياسبرز) قد اعتنى بحرية الفرد واظهار شخصيته، وكان الفلم تجسيدا لرؤيته الفكرية . كان حقا عملا فنيا راقٍيا يحتمل التأويل والمعاني المتعددة.



في 6/11/1979 ،، حضر رجال الامن الى الاذاعة، واقتادوني الى السجن، اذ صدرت عقوبة مباشرة من ديوان الرئاسة بالفصل من الوظيفة والسجن، قضيت شهورا في سجن الفضيلية بسبب عرض فلم (الرأس المدبب)، لا ادري كيف فهم وبأية طريقة فسر، هل فسر وفق تعميم الشخصية؟؟ أستبعد ذلك، لاسباب شتى؟!.. ولكن الخيال الشعبي والثقافي أحيانا ، يفسران ماهو غامض بشئ قريب من اطر التفكير السائدة . بعد انتهاء السجن، كنت بلا عمل.. وكان الادباء يعتقدون انني ممنوع من النشر في أية صحيفة، ولاينشرون لي خوفا من التبعات، غير ان القاص (موفق خضر) وهو المدير العام للشؤون الثقافية في ذلك الوقت، اصر على تعييني في مجلة (فنون) الاسبوعية مسؤولا عن القسم الثقافي عن طريق المكافأة الشهرية، كان موقفا نبيلا الى حد بعيد، ظهر في عمق الازمة .. في عمق الظلام، كان حاضرا قويا في وقت غاب فيه الجميع.. على هذا النحو كنت في مجلة فنون وفي القسم الثقافي، ومضت السنوات سراعا كعادتها، وبقي رأس (أورو) صحيحا غير مدبب وانقلب شكل الزمن،،، وانقلب معناه.. وبين الانقلابين يحدث التغيير.. فهل نزعنا الرؤوس المدببة عن شخصياتنا ومدننا وارائنا .. ام بقيت تدل على عصور الانحطاط.. هذا السؤال لا يجيب عنه الا الذين يؤمنون بأن عصر الحرية بدأ وسوف يتوطد شيئا فشيئا.



mrmubarak@hotmail.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alaathar.asiat-world.com
 
حرية الثقافة ، بعيداً عن الرؤوس المدببة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» لقاء حسام حسن فى برنامج هنا القاهرة
» طرق الإستئناف والمعارضة
» رجل برج الحوت
» طريقه عمل حمام بخار الوجه
» ضروري للبغبغاء الأفريقي

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
صحيفة الاثر الالكترونية :: ثقافية-
انتقل الى: